يسري فودة
إذا قدمت بيانات بطاقة ائتمانك Credit Card في سياق شراء شيء ما علي الإنترنت يمكنك أن تتوقع أن أحداً قد يلتقطها ثم يشتري ما طاب له ولذ علي حسابك الخاص ولا تدري أنت إلا بعد فوات الأوان. فقط لأنها توفر عليهم كثيراً من النفقات الإدارية تشجع الشركات والمصارف والمؤسسات عملية الشراء عن طريق الإنترنت.
يعتقد مهندس الكمبيوتر علي هداوي أنك حين تفعل ذلك فكأنك تضع أموالك في كيس شفاف وتمشي به في شوارع شيكاغو، فيما ينصحك خبير الاتصالات الإليكترونية، كاسبار باودن، بأنك «إذا أردت التأكد من أنك وموقع الإنترنت وحدكما اللذان تعلما بعملية الشراء والبيع فإن عليك إذن أن تبحث عن تلك المواقع المشفّرة، ويمكنك أن تعرف ذلك عندما تري قفلاً صغيراً أصفر اللون في أسفل يمين الشاشة، وهو ما يعني أن جهازك مرتبط بموقع الإنترنت عن طريق نفق آمن».
يكاد يقترب من المستحيل أن ينتمي المواطن في دولة غربية إلي العصر الحديث دون أن تكون في جيبه بطاقة ائتمان. راتبك يحوّل مباشرة إلي البنك. لك رقم لديهم مرتبط بهذه البطاقة الممغنطة، فلماذا لا تستخدمها إذن في سداد فاتورة الغداء؟!.. لا تستخدمها لأنك تعرف الآن أن احتمالات الخطأ، واحتمالات التلاعب، أكبر من قدرتك علي الاحتياط في مواقف تمر بك كل يوم وتبدو تافهة، لكنها ليست كذلك. من أدراك مثلاً أن ذلك النادل الذي تناوله بطاقتك لن يحتفظ ببياناتها وأنت منشغل مع ضيوفك؟!.. حدث ذلك من قبل.
من أدراك أنه لن يستنسخ صورة طبق الأصل منها؟!... حدث ذلك من قبل. من أدراك أن بياناتك التي ترسلها تلك الآلة في المطعم بمجرد إدخال البطاقة فيها إلي مركز الائتمان لن تمر علي أحد؟!.. حدث ذلك من قبل. ثم من أدراك أن توقيعك هذا الذي تركته وراءك لن يكون غنيمة لأحد. حدث ذلك من قبل. ينصحك الخبراء بالامتناع عن استخدام بطاقة الائتمان إلا في أشد الظروف قهراً، وإذا اضطررت إلي ذلك فلا تستخدمها إلا في تعاملاتك مع فنادق أو مصارف أو مؤسسات كبري تهمها سمعتها أكثر مما تهمك سمعتك أنت.
وسوي احتمالات الخطأ واحتمالات التلاعب، توفر بطاقة الائتمان وبطاقة المصرف رافداً مهماً لأجهزة الاستخبارات. فحتي لو قصرت استعمالها علي مجرد سحب الأوراق المالية من تلك الآلات المنتشرة في جدران الشوارع فإنك تكون، رغم احتفاظك وحدك بالبيانات المكتوبة علي وجه البطاقة، تتخلي في الوقت نفسه طواعية عن معلومات أخري قد يهمك الاحتفاظ بها، وعلي رأسها المكان الذي أنت فيه الآن، والرقم الشفري PIN Number الذي من المفترض أنك أنت الشخص الوحيد علي وجه الأرض الذي يعرفه، وبالطبع كم من المال سحبت.
وإن لم يكن هذا يهمك ولا ذاك ولا ذاك فأنت حر إذن في أن تسلم نفسك بنفسك حتي إلي أصحاب ما يعرف باسم الـ Super Market. بعض هذه المحال يغري زبائنه باستحداث ما يعرف باسم بطاقة الولاء Loyalty Card. تراهم يحاولون دائماً إقناعك باقتناء إحدي هذه البطاقات ويتعهدون في مقابل ذلك بمنحك تخفيضاً في سعر كل سلعة تشتريها، ومن منا يكره ذلك؟.. لكنك إذا توقفت برهة للتساؤل: والمقابل إذن؟!
ستعلم أنك عندئذ أصبحت رقماً في دفاترهم، قواعد معلوماتهم. تضم هذه بياناتك الخاصة، وأحياناً الخاصة جداً: اسمك، عنوانك، رقم هاتفك، حسابك في البنك، إضافة إلي كل ما تشتريه وكم رغيفاً من الخبز تأكله كل أسبوع وكم شريطاً لمنع الحمل تحمله في خفية.
فإذا افترضنا أنك لا تمانع كثيراً في أن تكون لك خانة في قواعد المعلومات التجارية، فإن من واجبك علي نفسك أن تعرف علي الأقل فيم تُستخدم معلوماتك الشخصية. باختصار تتحول أنت نفسك إلي سلعة، تباع وتشتري، فالتخفيضات في أسعار السلع التي اشتريتها مقتطعاً بذلك من هامش ربح صاحب المحل لم تكن في الواقع من أجل سواد عيونك، بل إنه يستخدمها أولاً لمصلحته في مزيد من عمليات الإغراء ويقوم بعضهم في الوقت نفسه ببيع بياناتك الشخصية وعاداتك الشرائية ونوع ما تشتريه وحجمه وقدراتك المالية لمن يدفع. هل سألت نفسك مرة، خاصة إذا كنت تعيش في الغرب، كيف يصل إلي بابك ما يسمي «بريد القمامة»؟.. هل تساءلت مرة كيف علمت شركة التأمين هذه بأنك اشتريت سيارة جديدة؟.. أو كيف علم بيت الأزياء والعطور والجواهر ذلك بأنك متزوج؟..
ببساطة لأنك تشتري من أرغفة الخبز كل أسبوع ما من الواضح أنه يزيد علي حاجة فرد واحد. هكذا بهذه البساطة، أو ربما لأنك اشتريت مرة زجاجة عطر نسائي مرتفع الثمن. هذه، وغيرها، تشكل قواعد معلومات جاهزة لكل من يريد سواء علي المستوي السياسي والأمني أو علي المستوي التجاري. عملاء الاستخبارات يعلمون نمط حياتك بمجرد الضغط علي زر، والزر نفسه يفتح باب الجنة للوسطاء وتجار المعلومات.
كان ماثيو لين، وهو كاتب روائي ومحقق صحفي في جريدة صنداي تايمز، قد وقع علي حلم حياته فوجد بعد بحث شاق، بيتاً لا يبعد كثيراً عن مجلس العموم البريطاني.
ولأن البيت كان في حالة داخلية يرثي لها، اتفق مع بعض عمال البناء علي ترميمه. دفع لهم عن طريق بطاقة الائتمان نصف المبلغ مقدماً ضمن اتفاق علي أن يدفع النصف الآخر، لدي الانتهاء من العمل. حصلوا علي النصف الأول ولم يكملوا العمل ثم اختفوا. استعوض الله في تلك الألف وخمسمائة جنيه إسترليني وبدأ يبحث عن عمال آخرين، لكنه أثناء مراجعة بيان الحساب المصرفي الذي يأتيه كل شهر اكتشف فجأة اختفاء ألف وخمسمائة جنيه أخري. أدرك علي الفور ما لابد أنه حدث.
«اتصلت بعمال البناء ثم اتصلت بالبنك شاكياً، لكن العجيب أن البنك لا يستطيع التصرف إلا إذا أثبتّ بالدليل القاطع أن هناك تلاعباً. لحسن الحظ علي أي حال عاد العمال وأكملوا العمل، ولكن ذلك يبين لك أنه بمجرد أن عرف هؤلاء رقم البطاقة لم يضطروا حتي إلي الاتصال بي قبل سحب المبلغ، كما أن الشركة الضامنة لبطاقة الائتمان لا تتصل بك للتأكد. كل ما يحتاجونه هو رقمك واسمك، وأي أحد يعرف ذلك يستطيع أن يسحب أموالك».
اتصلنا نحن بشركة أمريكان إكسبريس المتخصصة في التعاملات الائتمانية، فردت علينا بكتاب تعترف فيه بإشكالية التعامل بين البائع والمشتري عن طريق بطاقة الائتمان. ورغم أن المسؤولين يزعمون إحراز تقدم في تأمين التعامل فإنهم يعترفون في الوقت نفسه بأن الطريق لايزال طويلاً.
تتفاقم في الغرب إشكالية الموازنة بين مبدأين مهمين: حرية الوصول إلي المعلومة من ناحية، والحفاظ علي خصوصيات الناس من ناحية ثانية. علي سبيل المثال يمكنك أن تتوجه إلي أي مجلس بلدي في لندن، تدفع رسماً معلوماً لا يتجاوز في المتوسط حوالي عشرين جنيهاً، وتحصل بحكم القانون علي قائمة بأسماء سكان المنطقة: متي انتقلوا إليها أو منها وعناوينهم إلي آخره من البيانات الشخصية. بل إن أي مؤسسة تتعامل معها تحتفظ لنفسها، ربما دون كثير من الوعي من جانبك، بحق تمرير بياناتك الشخصية إلي أي طرف ثالث تراه هي مناسباً.
ثم يبقي اختراع أخير انتشر في كل دول العالم، ومنها دول عربية، كانتشار النار في الهشيم، وهو الهاتف المحمول. فبغض النظر عن آثاره السلبية من الناحية الطبية لكل منا أسبابه وراء حرصه علي البقاء علي اتصال بالعالم حوله لمدة ٢٤ ساعة في اليوم. لكن عليك أن تعلم أنه إذا كانت للهاتف المحمول فائدة لك فإن لعميل الاستخبارات فائدتين.
ولا نقصد بذلك ما تحدثنا عنه سابقاً من احتمالات الحصول علي إذن بمراقبة اتصالاتك الهاتفية. لا حاجة هنا إلي تصريح ولا حاجة هنا، إذا اهتم بك أحد، إلي أن يمشي وراءك برجليه كي يعلم أين أنت الآن، ولا حاجة هنا إلي زرع جهاز للتعقب داخل سيارتك.
الهاتف المحمول الذي اشتريته بأموالك وتدفع فاتورته كل شهر يقوم تحديداً بهذه المهمة. حتي في الأوقات التي لا تستخدم فيها الهاتف يكون هذا علي اتصال بمحطة الإرسال من خلال إشارة يبعث بها في الفضاء وتراها أنت بعينيك علي شكل ضوء متقطع يقول للأعمي أين أنت الآن.
يفسر هذا حرص المصادر ذات الوضع الأمني الخاص علي الابتعاد عن الهواتف المحمولة. تكرر هذا معي ثلاث مرات: مرة مع العقول المدبرة لعملية الحادي عشر من سبتمبر، خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، ومرة مع زعيم حزب الله، السيد حسن نصر الله، ومرة ثالثة مع مسؤولين من الجيش الإسلامي في العراق.
كما أنه يفسر أن مواكب معظم زعماء العالم اليوم - التي لا بد أن تضم سيارات أمن وسيارات إسعاف - قد أضيف إليها في السنوات القليلة الأخيرة سيارة أخري بها معدات فنية مهمتها التشويش علي الهواتف المحمولة وجميع أنواع الاتصالات اللاسلكية في المنطقة التي يتصادف عبور الموكب منها.
يلقي ذلك بنا إلي عالم لا حدود له مما يسمي التنصت الإلكتروني، وهو موضوع ما يلي من حلقات.
________________________


















